لا يهمه السجن كثيرا، رغم قسوة الوحدة وفقدان الحرية التي من الممكن أن تتعب أي سجين غيره .. لكن غسان صاحب القضية، تبقى قضيته كبصيص نور في آخر النفق، تضيء شيئا في روحه ليواصل مسيرته النضالية.
تجربته الطويلة مع السجن.. علّمته أن يبقى قويا متماسكا مهما كانت لحظات اعتقاله صعبة وشاقة.
فخروجه من المعتقل قبل شهرين لا يعني له أن مهمته انتهت بل هي انطلاقة جديدة نحو توعية أبناء شعبه للمطالبة بحقوقهم، فلا السجن يضعفه ولا فقدان حريته يمنع روحه من رؤية فلسطين محررة.
هو عميد معتقلي فلسطينيي 48 ..وأول معتقل إداري من الداخل في السجون الإسرائيلية. سجن 13 مرة على مدار 30 عاما.. ومع ذلك.. لم يرض أن يعيش ذليلا ويتنازل عن مبادئه .
قابلنا الأسير المحرر غسان عثامنة في بيته ليخبرنا عن مشواره النضالي مع السجون الإسرائيلية وتجربته معنا وها نحن نضع بين أيديكم هذا التقرير.
تجربة طويلة مع المعتقلات!
يحدثنا غسان عثامنة عن رحلته الطويلة مع الاعتقالات : " أول تجربة اعتقال لي كانت عام 1980 عندما كنت شابا ابلغ من العمر 16 عاما بتهمة إلقاء زجاجات نارية على حافلة إسرائيلية وكانت مدته 3 سنوات. خرجت بعد ذلك إلى ألمانيا الغربية لإكمال دراستي الجامعية هناك, وقبل أن انهي تعليمي عدت إلى البلاد وأخذت إقامات إجبارية تتجدد كل 6 أشهر بتهمة " الخطر على امن الجمهور " مع أمور أخرى سرية ,
وبالإقامات الإجبارية لا يمكنني الخروج إلى ضواحي البيت (إلا أذا كان ذلك ضمن محيطه) وفي وقت الليل ممنوع منعا باتا .
تلا ذلك اعتقال آخر إداري من رابين وبراك وشارون, فقد كنت في تلك الفترة ناشطا سياسيا في حزب التجمع . وكانت التهمة مرة أخرى " الخطر على امن الجمهور " وجميع المواد التي طرحت هي مواد سرية حسب أنظمة الطوارئ وبدون أي تهمة محددة .
وحتى المحامي كان يدخل بدون أية مواد يدافع فيها وذلك لكون ما نحارب من أجله هو مجهول , نعرف عنه من خلال العناوين فقط!
وبعد ذلك اعتقلت مرة أخرى في ذكرى هبة أكتوبر بحجة مشاركتي بالمظاهرات وبعد بسنة اعتقلت للمرة الأخيرة لمدة 6 سنوات وخرجت قبل شهرين .
المعاملة في السجون الإسرائيلية!
أولا علينا إدراك أننا نتعامل مع محتل.. اي ان العلاقة هي بين ظالم ومظلوم .. وفي المعتقلات الهدف الرئيسي هو كسر الإرادة وجعل المعتقل خاضعا , "وتنقيته" من الوطنية والإرادة والكرامة والسعي لتحويله إلى عبد !
فمعركتنا ليست فقط وراء القضبان بل خارجها أيضا نحن وراء القضبان كنا نعتصم ونعلن إضرابات .. فالسجون تحولت إلى مدارس وجامعات تهدف إلى تعبئة السجين وتغيير فكره وتركيع الشباب وإسقاطهم!
لأسرى الداخل " معاملة خاصة "
لوهلة أولى قد نشعر أن لفلسطيني 48 معاملة خاصة فعلا بالجانب الايجابي في السجون الإسرائيلية , خاصة أنهم يحملون جنسية الدولة المحتلة, يخبرنا غسان عثامنة عن ذلك ويقول: " تعتبر إسرائيل معتقليها من الداخل الفلسطيني قضية داخلية وأنهم خانوا الدولة .. " ويضيف :" حتى الصليب الأحمر.. يأتي مندوبون منه لزيارة معتقلي القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وبالتالي إن تعرضنا للتعذيب أو أي ممارسة بحقنا فلا توجد أي هيئة دولية مخولة للنظر في قضايانا .
كذلك في عملية تبادل الأسرى, إسرائيل تستثني فلسطينيي 48 , فكوننا من ناحية أخرى مواطنين .. تعتبر ذلك حجة لعدم إعطائنا الحقوق الكاملة "

انتهاكات واضحة لحقوقنا كمعتقلين!
ضمن القوانين الدولية للمعتقلين.. فإن لكل معتقل الحق في الأكل والشرب وغيره من ضروريات الحياة
ولكن.. شتان ما بين النظريات والتطبيق!
يخبرنا غسان عن الانتهاكات اليومية لهذه القوانين التي كان تمر معه في السجن ويعدد منها:
* أولا حرمنا من إجراء أي اتصال هاتفي .. حتى في حاجات ماسة يكون فيها والد الأسير أو احد أقاربه على حافة القبر.
* زيارات الأهل للمعتقل تكون كل أسبوعين وعبر الزجاج .. بمعنى أن من لديه طفل لا يستطيع حضنه أو حتى لمسه !
* جلسة المعتقل مع المحامي يكون فيها مراقبة شديدة , حيث أن الشرطي يجلس بجانب الأسير .. ولا توجد خصوصية له في الحديث مع المحامي ..
* ممنوع التحرك خارج السجن إلا في اللباس الموحد في محاولةً لإذلالنا
* غالبية الأدوية لكافة الأمراض هي الاكامول ( دواء لألم الرأس ) ..
* كمية الأكل التي تكفي لشخص واحد يتم تقديمها لـ 8 أشخاص في غرفة واحدة
وبالطبع نحن لم نكن نرضى بها وكنا نحتج دائما على كمية الطعام القليلة جدا ونوعيتها الهزيلة .
* لا يسمح لأحد من خارج السجن أن يدخل لنا طعاما!
لا يسمح لنا بإدخال أي ملابس من الزوار ألا مرة واحدة في بداية موسم الصيف وكذلك في موسم الشتاء وفقط !
مشكلة حر الصيف فمنطقة السجن تعتبر من أحر المناطق وأكثرها رطوبة مما يسبب لنا مشاكل عديدة فلا نستطيع أن نقرأ أو نقوم بعمل رياضة أو ننام !
النظام اليومي في السجن!
كما يقول لنا عثامنة , فإن وقتهم كسجناء يقضونه ما بين استراحة رياضة وحوارات مع المعتقلين الآخرين , ويبدأ يومهم من الساعة السادسة صباحا.. وذلك إجباريا لعملية العد الصباحي الذي يتكرر 4 مرات يوميا .. فعلى كل سجين الوقوف والانتظار بالدور حتى يأتي الجندي ويعده مع التأكد من رقم هويته . الأمر الذي اعتبره إذلالا بحق المعتقلين !
ما قبل السجن وبعده !
أكثر ما اثّر بي خلال حياتي في السجون.. هو فترة السجن الأخيرة ( مدتها 6 سنوات) فعندما سجنت مثلا كان ابني الكبير خالد في الصف الثامن , وعندما عدت وجدته قد انهى المدرسة الثانوية هو وشقيقه .. فقد خسرت معايشة فترة شبابهم !
كذلك صدمت بعد عودتي من رؤية المظاهر الاجتماعية السلبية التي ازدادات بشكل كبير في السنوات الأخيرة التي غبت فيها .. حيث انه مفاهيم الناس انقلبت للأسوأ.
التحقيق – تعذيب نفسي نعاني منه !
" رافقت التحقيقات منذ عام 1980 .. في ذلك العام كان التحقيق عنيفا جدا وحتى العام أواخر العام 1995 بقى التحقيق على هذا الحال . بعد ذلك العام لم يعتمد التحقيق الضغط الجسدي بل الضغط النفسي وطبعا الضغط الجسدي تم استبداله بطرق أخرى, فلم يعد يتم ضرب من يحقق معه بل يلجأون إلى منعه من النوم أو إبقائه مكبلا على كرسي لأكثر من يوم , او تكبيله معلقا واقفا لساعات طويلة.
السجن.. ضريبة لا بد منها !
" بالنهاية قد يكون السجن من الضرائب التي علينا أن ندفعها.. لأنه إن كان هناك احتلال فمن الطبيعي أن تكون مقاومة وان تواجدت مقاومة فمن الطبيعي أيضا أن يكون هناك معتقلون وجرحى وقتلى .الوضع غير الطبيعي هو أن يكون هناك شعب محتل ومستعمر يعيش في " ديسكو " ولا يوجد لديه هموم.
نحن نستطيع أن نناضل ونبني بيتا ونحب ونعيش حياة طبيعية ونضالنا لا يعني أننا سنهمل الجوانب الأخرى في الحياة .. ولكن يبقى انه يجب أن تكون لدينا قضية أكثر أهمية من غيرها ..
ويضيف : " منحني السجن رضى عن ذاتي॥ وأعطاني ذلك الشعور أني قمت بدوري ورسالتي في الحياة , وكذلك راحة ضمير.. لأن الفرد يشعر انه ليس جزءاً من الناس الخائنة والخاضعة।
* * * *
نشر ايضا في موقع الجزيرة توك